منتهى الزبيدي: قصة نجاح “أن تكوني امرأة في العراق يعني أن تكوني صامدة” كيف واجهت منتهى التحديات الاجتماعية والتمييز والحروب وحققت النجاح!

ولدت منتهى غازي في عام ١٩٨١، أثناء الحرب العراقية الإيرانية، في قرية الدراجي في مدينة السماوة العراقية.  لم تكن السماوة مكان إقامة عائلتها الدائم، فالعائلة كانت مقيمة في مدينة الناصرية؛ لكن صادفت ولادة منتهى في هذه القرية أثناء زيارة أمها وأبيها للأهل القاطنين فيها. شاءت الأقدار أن تنفصل منتهى عن والديها في الناصرية، المدينة التي ستكون لاحقًا مستشارة لإحدى محافظاتها.

 

عاشت منتهى طفولتها في قرية الدراجي حيث درست مرحلة الابتدائية، وكانت من أوائل الطلاب في مدرستها. بُعدها عن أهلها أثر في تكوين شخصيتها. فقد كان محيطها يراها مستقلة وواثقة من نفسها. انتقلت إلى الناصرية في فترة الدراسة المتوسطة والإعدادية، ثم أكملت دراستها الجامعية في مدينة البصرة حيث التحقت بكلية الهندسة المدنية. 

 

بعد تخرجها، اختارت منتهى أن تكسب خبرة تنفيذية في الهندسة بدل أن تستلم وظيفة حكومية؛ لذلك اتجهت إلى القطاع الخاص وعملت في مواقع المشاريع الهندسية. 

 

عن الصعوبات التي واجهتها، تذكر منتهى أنها في عام ٢٠٠٦ دعيت لإجراء مقابلة عمل مع شركة في مدينة الناصرية، لكن عند وصولها فوجئت بكون كل المتقدمين للوظيفة ذكورًا؛ فأوضح لها المسؤولون أنهم يبحثون عن مهندس وليس مهندسة، وكان جوبها لهم: “أنتم أعلنتم أنكم تبحثون عن مهندس ولم تذكروا ذكرًا أم أنثى”. أجرت منتهى المقابلة ونالت تلك الوظيفة وأدارت المشروع لمدة سنتين.

 

في يوم، بينما كانت شركة تابعة لقوات التحالف تقوم بالكشف الجوي، لفت مشروع منتهى انتباههم، فعرضوا عليها أن تعمل معهم. تدرجت منتهى بعدها في هذه الشركة حتى أصبحت مديرة الفريق، وعرفت من زملائها في ما بعد أنهم لم يتخيلوا أن هناك نساء يعملن في هذا المجال قبل أن تنضم لفريقهم.

 

حكم المجتمع والخوف من نظرته للمرأة العاملة في الميدان كانت أمور تحبط منتهى وفي الوقت نفسه تشعل الغيظ في داخلها. كانت تواجه صعوبة في التعامل مع الناس وتلتزم الصمت في مواقف يفترض أن تتكلم فيها. تذكر منتهى كيف قررت مرة أن تتحدى نفسها عندما كانت تنتظر بجانب المصعد خلال مهمة رسمية في أمانة مجلس الوزراء في بغداد. فقد أتى مسؤول رفيع المستوى مع مرافقيه، ولحظة فتح باب المصعد منعوها من الصعود معه، فقالت بثقة: “هذا ليس من حقكم”، ودخلت المصعد رغمًا عنهم.

 

لم تكن منتهى تعرف إلى أين ستصل مهنيًّا؛ لكنها، وعن طريق الصدفة، تعرفت على برنامج “النساء يتحدثن عن السلام”، أحد مشاريع منظمة البرلمان. دخلت منتهى البرنامج وشاركت في ورش تدريبة عن لغة الحوار ومهارات التفاوض وفض النزاعات. تطورت شخصية منتهى كثيرًا خلال هذا البرنامج. فهي لم تكن تملك الشجاعة لفتح حوار مع الآخرين إلا في إطار العمل، لكن من خلال هذا البرنامج والورش التي تلقتها ازدادت معارف منتهى وتوسعت اهتماماتها، فأصبحت قادرة على الدخول في حوار مع أي مجموعة من الناس مهما اختلفت أفكارهم وآراؤهم عن أفكارها هي. تذكر منتهى أنها قالت للمشاركات في إحدى الورشات: “أعتقد أن النساء يحتجن إلى تدريب أنفسهن. فالنساء العراقيات يعزلن أنفسهن عن الناس لأن هذا ما تعلمنه من خلال ثقافة المجتمع التي تفرض ذلك.”

 

تعرفت منتهى في هذا المشروع على نساء كثيرات من مختلف الأديان والمحافظات العراقية، وأصبحن صديقات لها تتواصل معهن بشكل مستمر. شعرت منتهى بالسلام داخل هذا المشروع، حيث كانت الأجواء مريحة بالنسبة لها. فالشخصيات والأحاديث التي طرحت في البرنامج ساعدت في تغيير شخصيتها من عاملة تقود في موقع العمل فقط، إلى شخصية اجتماعية خارج نطاق العمل أيضًا.

 

أما عن أثر برنامج “النساء يتحدثن عن السلام” على تطورها المهني، فتقول منتهى إن البرنامج كان فرصة لتعلم الإنصات الفعال للآخرين، ما ساهم في نجاح عملها الجديد في القطاع الحكومي كمستشارة لمحافظ الناصرية في شؤون الاستثمار. من خلال تقديم الاستشارات وتخصصها في الاستثمار وكونها عضوًا في هيئة الاستثمار في محافظة الناصرية، أصبحت منتهى بعد أربع سنوات مستشارة فنية لشؤون الاستثمار. في هذه الأثناء، تطوعت لتعمل مع المجموعة التي تهتم بملف إدراج الأهوار على لائحة اليونسكو ضمن التراث العالمي. هذا الأمر زاد من معارف منتهى في سبل التواصل مع الجانبين الحكومي والمجتمع المدني. لقد استطاعت من خلال هذه التجربة أن تختبر مجالات جديدة وتجد أسلوب الحياة والعمل اللذين يمثلانها ويناسبانها.

 

تعتقد منتهى أن جزءًا كبيرًا من مشاكل المجتمع يكمن في عدم الإنصات للآخرين، وفي بعض الأحيان لا يعرف الناس الطريقة الأفضل للتعبير عن مشكلتهم. لذلك تحث منتهى زملاءها دومًا على استيعاب الآخر، فهذه هي مسؤوليتهم تجاه المواطن بصرف النظر عن رأيهم ومزاجهم. وفي أحد المؤتمرات في مدينة السليمانية حول الاستثمار، شاركت منتهى رأيها في ما يتعلق بقوانين الاستثمار في العراق قائلة: “علينا أن نتخلص من قانون المزاجيات عند الموظفين، عند ذلك نستطيع تطبيق القانون الفعلي. هناك أمور وقرارات تتوقف بسبب عدم تحمل الموظف مسؤولياته”.

 

تقول منتهى لمن يقرأ قصتها من النساء: “على المرأة ألا تكره، بل ينبغي أن تحب نفسها وتحب الناس، أن تصغي بصدق وتدرب نفسها وتطورها، وعليها أن تبقى حقيقية وناجحة لتساهم في نجاح الآخرين من خلال نجاحها”.