استبرق الزبيدي: قصة نجاح “أنت بنت بخمسين ولد لكن لو كنتِ ولد لكان ذلك أفضل!”

ولدت استبرق صباح مخيبر الزبيدي في مارس من عام ١٩٩٥ في مدينة بهرز التي تشتهر ببساتينها، أو كما كانت تسمى قديمًا اشنونا. هي مدينة متنوّعة بمكوّناتها، أنهكتها العمليات الإرهابية وداعش والنزاعات المتتالية. شهر مارس شهر بداية الحياة وثورتها، وهكذا كانت حياة استبرق فعلًا، تثور لتهدأ، تتطاير نيرانها ليبرق الأمل. نشأت في محافظة ديالى، المعروفة بجمال طبيعتها البهية، والتي تقف على مسافة واحدة بين التمدن وحياة الريف؛ محافظة تتقلب بتقاليدها ما بين الانفتاح والانغلاق، ولكن في معظم الأحوال، يبقى الطابع العشائري فيها هو السائد.

 

كانت استبرق الابنة البكر وأول حفيدة في العائلة، فأخذت نصيبها من الاهتمام والحب والدلال. لكن هذا لم يدم كثيرًا كونها أنثى! مع مرور السنوات، تغيّر كل شيء وبدأت القيود تتزايد.

 

في الثانية عشرة من عمرها أو ربما قبل ذلك، بدأت معاناة استبرق مع العائلة والطابع المجتمعي من جهة، وبين ذاتها وما تريده هي من جهة أخرى. كانت تشعر دومًا أنها حرة من الداخل، وأن الفعل الصحيح هو ما يتقبله القلب والمنطق ويرضي الله. تقول: “لمَ علينا أن نخضع للسلطة الذكورية؟ حتى خالي كان يتدخل بما أشاهد على التلفزيون وبما أقرأ من كتب، ويؤنبني على لبسي إن رآه غير محتشم بما فيه كفاية! كنت أكره كوني ولدت أنثى! جدي الذي يحبني كثيرًا كان يقول لي: “أنتِ بنت بــخمسين ولد لكن لو ولدت ولدًا لكان ذلك أفضل!”. لا ألومهم. لقد تربوا في بيئة تعتبر الأنثى عارًا، ويفكرون باستمرار كيف يتخلصون من هذا العار، فإما أن تتزوج أو أن تموت!”.

 

كانت حياة الفتاة عبارة عن دراسة في الابتدائية ثم زواج مبكر ممن تراه أسرتها مناسبًا. إن وقعت البنت في الحب أو أرادت أن تحقق أمرًا ما يخصها، تقام حرب عليها، فتُسجن في المنزل، وقد تُمارس عليها أنواع التعذيب النفسي والجسدي كي تتوب عن خطيئتها وتكره الحب. وإذا فكرت في العمل، فإن كانت محظوظة ستجد فرصة تعيين حكومي، وإن لم تجد عملًا فمكانها المطبخ ومصيرها زوج وأطفال لا غير! وعصيانها قد يؤدي إلى قتلها أو التبرؤ منها. 

 

عانت استبرق لسنوات عدة كونها فتاة حالمة وطموحة وعنيدة. شهدت كيف مرت نساء أسرتها في مواقف مؤلمة وكيف عشن مصائر مأساويّة حددها الذكور. نتيجة لذلك، قررت استبرق أن تختار حياتها بما يتوافق مع طموحها ويرضي الله. ستأخذ طريقًا صحيحًا لا اعوجاج فيه، لكنه طريق ترسمه فرشاتها ويحدده الله لا غير.

 

أكملت استبرق دراستها الجامعية في مدينة سامراء، مدينة بعيدة عن ديالى، ما سبب اعتراضات عدة، لكن والدها دعمها، وهو السند الوحيد الذي طالما استعانت به واكتسبت قوتها منه.

 

نالت استبرق شهادة بكالوريوس في التحاليل المخبرية، لكنها لم تجد وظيفة في مجالها، فقررت أن تساعد والدها في مهنة التمريض التي كان يمارسها، واستمرت في هذا العمل لثلاث سنوات. بدأت ترى من خلال عملها العديد من المشاكل المجتمعية، فصارت تدونها على صفحتها الشخصية. ثم انضمت إلى العمل التطوعي وأكملت تدوين خواطرها وملاحظاتها في صفحات التواصل الاجتماعي. هذا الأمر لم يعجب بعض أفراد العائلة، فعاشت الصراع ما بين أن تترك كل شيء أو تستمر في نشاطاتها.

 

خلال هذه الظروف الصعبة، تعرفت استبرق على برنامج “النساء يتحدثن عن السلام” الذي تقوم به منظمة البرلمان. كان البرنامج بمثابة إنقاذ لها. كانت بدايته عن الوعي على الذات والقيادة، فبدأت استبرق من خلاله بمعالجة آلام الماضي وتحرير نفسها مما عانته. كانت الورشة علاجًا روحيًّا بالنسبة لها. تعرفت أيضًا على الكثير من المواضيع والقوانين التي تهم المرأة، والأهم أنها تعرفت على صديقات من مختلف محافظات العراق ومختلف الديانات ومن أعمار وخبرات متفاوتة، تناقشت معهن وبنت علاقة تواصل طيبة. دخلت استبرق البرنامج مشوّشة وخرجت منه قوية، ذلك بفضل الدعم المعنوي الذي تلقته من زميلاتها ومن المدربات. لا تبالغ إن قالت إن هذا البرنامج غيّر حياتها نحو الأفضل.

 

بعد مشاركتها في هذا البرنامج، أطلقت استبرق أكبر مشروع في ديالى، وهو الأول من نوعه، لخلق مساحات آمنة للقراءة، وهو “كابينة ديالى الثقافية”، حيث وزعت كابينات في الشوارع العامة في ديالى وملأتها بالكتب في محاولة لتشجيع الناس على القراءة والمطالعة، ما سيساهم في تغيير الأفكار. نجح مشروعها نجاحًا باهرًا، وشكل فرصة للعديد من النساء في مجتمعها ليقتنين الكتب ويقرأنها.

 

تقول استبرق عن تطور فكرة مشروعها: “منذ أن تخرجت في ٢٠١٧ وعدت من سامراء إلى مدينتي ديالى، بدأ شغفي بالقراءة يعود وأحلامي بإنشاء مشاريع ثقافية يزداد يومًا بعد آخر. في عام ٢٠٢٠، وأثناء مشاركتي في برنامج “النساء يتحدثن عن السلام”، قمت بالتقدم لبرنامج سبوت لايت الألماني المدعوم من معهد غوته والسفارة الألمانية، وتم قبول مشروع الكابينات الثقافية بين أكثر المشاريع المميزة”.

 

وعن تجربتها كامرأة حققت نفسها، تقول استبرق: “ما هذه التقاليد التي جعلتنا نتأخر في حياتنا ومجتمعاتنا؟ لقد كانت كلّ هذه التحديات التي رأيناها أمامنا مجرّد أثقال كبيرة حملناها ومشينا، وفي النهاية القيناها وانتصرنا عليها، وأصبحنا نعمل على ترسيخ مفاهيم المساواة والعدالة في مجتمعاتنا. لم أكن أتوقع أنّني سأعبر كل الظروف التي واجهتها وأصل إلى ما أريد. لقد واجهت المجتمع بأكمله وحققت أحلامي وعملت في المجالات التي كنت أتمنى أن أعمل فيها، مجال المجتمع المدني والتدوين وحقوق المرأة وتعزيز دورها في المجتمع، بالإضافة إلى المجالات الثقافية والإعلامية”.

 

وتضيف استبرق: “جعلتني التجارب أقوى، فالضربات التي لا تقتلنا تجعلنا أقوى، وهذا ما حصل لي. بعد أن تزوجت، دعمني زوجي كثيرًا في تحقيق أحلامي والمواصلة في عملي والمساهمة في تعزيز حقوق المرأة وتنظيم الحملات وتنفيذها”.

 

أما رسالة استبرق إلى النساء بصورة خاصة وإلى المجتمع بصورة عامة، فهي: “يجب أن تكون المرأة قوية وتثبت نفسها في المجتمعات التي لا تحترمها ولا تريدها أن تعمل وأن تبدع وأن تكون جزءًا من صناعة القرار. على المرأة أن تتحرر من كافة القيود وأن تخلق مساحة لنفسها من أجل المساهمة في التغيير الإيجابي وتحقيق أحلامها مهما كلفها الأمر، لأنّها ستكون قدوة لنساء أخريات يمتلكن القدرة على العمل والإبداع لكن ظروفهن جعلتهن ضحية للثقافات التي تنتهك حقوق المرأة وتحدّ من دورها”.